ابن كثير
445
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
[ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 15 إلى 17 ] لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ( 15 ) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ( 16 ) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ ( 17 ) كانت سبأ ملوك اليمن وأهلها ، وكانت التبابعة منهم وبلقيس صاحبة سليمان عليه الصلاة والسلام من جملتهم ، وكانوا في نعمة وغبطة في بلادهم وعيشهم واتساع أرزاقهم وزروعهم وثمارهم ، وبعث اللّه تبارك وتعالى إليهم الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزقه ويشكروه بتوحيده وعبادته ، فكانوا كذلك ما شاء اللّه تعالى ، ثم أعرضوا عما أمروا به ، فعوقبوا بإرسال السيل والتفرق في البلاد أيدي سبأ ، شذر مذر ، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى تفصيله وبيانه قريبا وبه الثقة . قال الإمام أحمد « 1 » رحمه اللّه : حدثنا أبو عبد الرحمن حدثنا ابن لهيعة عن عبد اللّه بن هبيرة عن عبد الرحمن بن وعلة قال : سمعت ابن عباس يقول : إن رجلا سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن سبأ : ما هو أرجل أم امرأة أم أرض ؟ قال صلى اللّه عليه وسلم : « بل هو رجل ولد له عشرة ، فسكن اليمن منهم ستة ، والشام منهم أربعة ، فأما اليمانيون ، فمذحج وكندة والأزد والأشعريون وأنمار وحمير ، وأما الشامية : فلخم وجذام وعاملة وغسان » ورواه عبد عن الحسن بن موسى عن ابن لهيعة به . وهذا إسناد حسن ، ولم يخرجوه ، وقد رواه الحافظ أبو عمر بن عبد البر - في كتاب القصد والأمم ، بمعرفة أصول أنساب العرب والعجم - من حديث ابن لهيعة عن علقمة بن وعلة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، فذكر نحوه . وقد روي نحوه من وجه آخر . وقال الإمام أحمد « 2 » أيضا وعبد بن حميد : حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا أبو جناب يحيى بن أبي حية الكلبي عن يحيى بن هانئ بن عروة عن فروة بن مسيك رضي اللّه عنه قال : أتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقلت : يا رسول اللّه أقاتل بمقبل قومي مدبرهم ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « نعم » فقاتل بمقبل قومك مدبرهم » فلما وليت دعاني فقال : « لا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى الإسلام » فقلت : يا رسول اللّه أرأيت سبأ ، واد هو أو جبل أو ما هو ؟ قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا بل هو رجل من العرب ، ولد له عشرة فتيامن ستة ، وتشاءم أربعة ، تيامن الأزد والأشعريون وحمير وكندة ومذحج وأنمار ، الذين يقال لهم بجيلة وخثعم ، وتشاءم لخم وجذام وعاملة وغسان » . وهذا أيضا إسناد حسن وإن كان فيه أبو جناب الكلبي ، وقد تكلموا فيه لكن رواه ابن جرير عن أبي كريب عن العنقزي عن أسباط بن نصر عن يحيى بن هانئ المرادي عن عمه أو عن أبيه - شك - أسباط - قال : قدم فروة بن مسيك رضي اللّه عنه على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فذكره .
--> ( 1 ) المسند 1 / 316 . ( 2 ) المسند 3 / 452 .